عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
68
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
عوض عن العبد ، وإلا فلا عبد ولا ربّ ، إذا بانتفاء المربوب انتفى اسم الربّ ، فما ثم إلا اللّه وحده الواحد الأحد . وفي ذلك أقول : ما للخليقة إلا اسم الوجود على * حكم المجاز وفي التحقيق ما أحد فعندما ظهرت أنواره سلبوا * ذاك التسمي فلا كانوا ولا فقدوا أفناهم وهم في عينهم عدم * وفي الفناء فهم باقون ما جحدوا فعندما عدموا صار الوجود له * وكان ذا حكمه من قبل ما وجدوا فالعبد صار كما أن لم يكن أبدا * والحقّ كان كما أن لم يزل أحد لكنه عندما أبدى ملاحته * كسا الخليقة نور الحقّ فاتحدوا أفنى فكان عن الفاني به عوضا * وقام عنهم وفي التحقيق ما قعدوا كالموج حكمهم في بحر وحدته * والموج في كثرة بالبحر متحد فإن تحرّك كان الموج أجمعه * وإن تسكن لا موج ولا عدد واعلم أن تجليات الصفات عبارة عن قبول ذات العبد الاتصاف بصفات الربّ قبولا أصليا حكميا قطعيا ، كما يقبل الموصوف الاتصاف بالصفة ، وذلك لما سبق أن اللطيفة الإلهية التي قامت عن العبد بهيكله العبدي ، وكانت عوضا عنه ، وهي في اتصافها بالأوصاف الإلهية اتصاف أصلي حكمي قطعي ، فما اتصف إلا الحقّ بماله ، فليس للعبد هنا شيء ؛ والناس في تجليات الصفات على قدر قوابلهم ، وبحسب وفور العلم وقوّة العزم . فمنهم من تجلى الحقّ له بالصفة الحياتية ، فكان هذا العبد حياة العالم بأجمعه ، يرى سريان حياته في الموجودات جميعها جسمها وروحها ، ويشهد المعاني صورا لها منه حياة قائمة بها ، فما ثمّ معنى كالأقوال والأعمال ، ولا ثم صورة لطيفة كانت الأرواح ، أو كثيفة كانت كالأجسام ، إلا كان هذا العبد حياتها يشهد كيفية امتدادها منه ، ويعلم ذلك من نفسه من غير واسطة ، بل ذوقا إلهيا كشفيا غيبيا عينيا ، وكنت في هذا التجلي مدّة من الزمان ، أشهد حياة الموجودات فيّ ، وأنظر القدر الذي لكلّ موجود في حياتي ، كلّ على ما اقتضاه ذاته ، وأنا في ذلك واحد الحياة غير منقسم بالذات ، إلى أن نقلتني يد العناية عن هذا التجلي إلى غيره ولا غير . ومنهم من تجلى اللّه عليه بالصفة العلمية ، وذلك أنه لما تجلى عليه بالصفة الحياتية السارية في جميع الموجودات ذاق هذا العبد بقوّة أحدية تلك الحياة جميع ما هي الممكنات ، فحينئذ تجلت الذات عليه بالصفة العلمية ، فعلم العوالم بأجمعها